فخر الدين الرازي

557

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يأمركم وَأَنْفِقُوا من أموالكم في حق اللَّه خيرا لأنفسكم ، والنصب بقوله : وَأَنْفِقُوا كأنه قيل : وقدموا خيرا لأنفسكم ، وهو / كقوله : فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ [ النساء : 170 ] وقوله تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ الشح هو البخل ، وإنه يعم المال وغيره ، يقال : فلان شحيح بالمال وشحيح بالجاه وشحيح بالمعروف ، وقيل : يوق ظلم نفسه فالشح هو الظلم ، ومن كان بمعزل عن الشح فذلك من أهل الفلاح فإن قيل : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، يدل على أن الأموال والأولاد كلها من الأعداء و إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ يدل على أن بعضهم من الأعداء دون البعض ، فنقول : هذا في حيز المنع فإنه لا يلزم أن يكون البعض من المجموع الذي مر ذكره من الأولاد يعني من الأولاد من يمنع ومنهم من لا يمنع ، فيكون البعض منهم عدوا دون البعض . ثم قال تعالى : [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 17 إلى 18 ] إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ( 17 ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) اعلم أن قوله : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي إن تنفقوا في طاعة اللَّه متقاربين إليه يجزكم بالضعف لما أنه شكورا يحب المتقربين إلى حضرته حليم لا يعجل بالعقوبة غفور يغفر لكم ، والقرض الحسن عند بعضهم هو التصدق من الحلال ، وقيل : هو التصدق بطيبة نفسه ، والقرض هو الذي يرجى مثله وهو الثواب مثل الإنفاق في سبيل اللَّه ، وقال في « الكشاف » : ذكر القرض تلطف في الاستدعاء وقوله : يُضاعِفْهُ لَكُمْ أي يكتب لكم بالواحدة عشرة وسبعمائة إلى ما شاء من الزيادة وقرئ ( يضعفه ) شَكُورٌ مجاز أي يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب وكذلك حَلِيمٌ يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسئ فلا يعاجلكم بالعذاب مع كثرة ذنوبكم ، ثم لقاتل أن يقول : هذه الأفعال مفتقرة إلى العلم والقدرة ، واللَّه تعالى ذكر العلم دون القدرة فقال : عالِمُ الْغَيْبِ ، فنقول قوله : الْعَزِيزُ يدل على القدرة من عز إذا غلب و الْحَكِيمُ على الحكمة ، وقيل : العزيز الذي لا يعجزه شيء ، والحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير ، واللَّه تعالى كذلك فيكون عالما قادرا حكيما جل ثناؤه وعظم كبرياؤه ، واللَّه أعلم بالصوبا ، والحمد للَّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا .